الشيخ محمد رشيد رضا

327

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن تنفيذ مشيئتهم فيهم بدون وساطة الوزراء والحجاب والقواد سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزيها له وتعالى علوا كبيرا عما يشركون به من الشفعاء والوسطاء . وما يفترونه عليه بجعلهم هذا دينا يتقرب به اليه . فهذا تذييل للجواب مبين لما في هذا الشرك من إهانة مقام الربوبية والألوهية ، وتشبيه رب العالمين ، بعبيده من الملوك الجاهلين العاجزين ، وقرأ حمزة والكسائي ( تشركون ) بتاء الخطاب ، على أنه تتمة للجواب . وحكمة القراءتين تنزيهه تعالى عن شرك الجميع من غائب محكي عنه وحاضر مخاطب . وفي هذا الجواب من أصول الدين ان شؤون الرب وسائر ما في عالم الغيب توقيفي لا يعلم الا بخبر الوحي ، ومنه اتخاذ الوسطاء عند اللّه مما ذكر وانه عين الشرك ولكن من علماء الأزهر من يثبتون هذه الوساطة بالرأي . ويحرفون ما ينقضها من الآيات المحكمات والأحاديث المتفق عليها كأنها هي الأصل ، حتى أنهم يبيحون دعاء الموتى واستغاثتهم عند قبورهم ، ويحتجون على ذلك بأنهم أحياء فيها ، وبأن الإفرنج أثبتوا وجود الأرواح وعلاقتها بالناس ، ولكن الذين قالوا بهذا من علمائهم وهم أقلهم ، لم يقولوا انها تنفعهم وتضرهم ، أو تشفع عند اللّه لهم ، ولو قالوا هذا لما كان لنا ان نتخذ قولهم حجة نعارض بها نصوص ديننا أو نتأولها لتوافقها ، ولمشيخة الأزهر الرسمية مجلة تنشر باسمها هذه البدع والخرافات في جميع بلاد المسلمين . وتطعن على المعتصمين بالسنة وسيرة السلف الصالحين ، وعلى المعتصمين بالقرآن أيضا وهو حبل اللّه المتين ، لزعمهم ان الواجب عليهم هو أخذ الدين كله عن كتب مقلدة الفقهاء والمتكلمين ، حتى المتأخرين منهم دون الأئمة المجتهدين * * * ( 19 ) وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ، وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ تقدم في هذا السياق من أول السورة إلى هنا ان أهل مكة لم يكن دأبهم في تكذيبهم للوحي المحمدي إلا كدأب من قبلهم من الأقوام الذين كذبوا رسلهم .